الحكيم الترمذي
106
كيفية السلوك إلى رب العالمين
المستدرك الخامس باب في قول اللّه - تبارك وتعالى - : « من رجا غير فضلي ، وخاف غير عدلي ، فليطلب ربّا سواي » « 1 » قال أبو عبد اللّه - رحمه اللّه - : وسألتم عن قوله عزّ وجل : « من رجا غير فضلي ، وخاف غير عدلي ، فليطلب ربّا سواي » ، والموحّدون كلهم لا يرجون إلا فضله ، ولا يخافون إلا عدله ، هذا في عقد إيمانهم ، وهذا في تسبيحهم لربهم ، حيث يقولون : سبحان من لا يرجى إلا فضله ، ولا يخاف إلا عدله ، ولكن لا يتراءى إلا لأهل الانتباه واليقظة ، وأهل الشهوات قد حجبتهم شهواتهم عن رؤية هذه الأشياء ، وكلهم يقتضيهم إيمانهم الرجوع إلى هذه الكلمة في حاصل توحيدهم ، ومن تعرّى من الشهوات ، وانفلت من علائق الأسباب قلبه ، فأيس من المخلوقين وتعلّق بالخالق ، فهناك يبدو له أن لا يرجو إلا فضله ، ولا يخاف إلا عدله . وروي عن سفيان بن عيينة رضي اللّه عنه أنه قال : قال اللّه - تبارك وتعالى - لداود صلوات اللّه عليه - : هل تخافني ؟ قال : نعم يا رب ، قال : فهل تخاف من غيري ؟ قال : نعم يا رب ، أخاف من لا يخافك أن تسلّطه عليّ فلا يستبقي عليّ شيئا . فهذا خوف العدل ، فالمنتبه إنما يخاف من هذا الطريق ، والمفتونون الذين لم ينكشف لهم الغطاء من الموحّدين ، يخاف أحدهم الخلق وهو راجع بقلبه إلا أنه لا يملك أحد ضرّا ولا نفعا إلا اللّه ، ولكنه قد تولّته الغفلة عن رؤية العدل ورؤية التسليط ، فصاحب هذا مفتون بالأسباب ، إن رأى فضلا فمن أيدي الأسباب ، وإن رأى عدلا فمن أيدي الأسباب ؛ فهو باق جميع عمره مع الأسباب ، منها ما يرجو ومنها ما يخاف . وروي عن ابن عمر - رضي اللّه عنها - ما حدّثنا به - أبي رحمه اللّه - حدّثنا الحكم ابن المبارك ، أخبرنا عبد اللّه بن الوليد عن بكير بن حذام الأسدي ، حدثني وهب بن أبان عن ابن عمر إنه خرج في سفر له ، فإذا جماعة على الطريق ، فقال : ما هذه الجماعة ؟ ، قالوا : أسد قطع الطريق ، قال : فنزل ، فمشى إليه حتى قعّده ، ونحاه عن الطريق ، ثم
--> ( 1 ) أورده بنحوه البستي في المجروحين ، باب الباء برقم ( 407 ) [ 1 / 327 ] وأورده المناوي في فيض القدير حرف السين [ 4 / 470 ] بنحوه أيضا .